صيدليّات لبنان... بِلا دواء أو بلا زبائن

 

كتب قزحيا ساسين في "السياسة": 

يدخل اللبنانيّ إلى الصيدليّة اليوم، وحين يصدمه سعر الدواء يرجو من الصيدليّ أن يبيعه نصف العلبة أو ربعها، إذا أمكن، ويمضي بلا دواء لأنّ البيع "فَلتًا" لم يَدرج بعد في الصيدليّات، غير أنّه قد يكون من الخيارات المطروحة في القريب العاجل.

لم تكن الصرخة التي أطلقها نقيب الصيادلة، منذ بضعة أيّامّ، مزوَّرة ومشكوكا بأمرها مثل بعض الأدوية، إنّما هي إعلان واضح بأنّ اللبنانيّين لن يعودوا قادرين على شراء الدواء بعد اليوم وذلك، لأنّ ارتفاع سعر صرف الدولار أثّر مباشرة على كلفة تصنيع الدواء المحلّيّ، بشكل يفوق قدرة الناس الماليّة، المعدومة قبل أن يصلوا إلى أبواب الصيدليّات.

عمليّا، تمّت دَولرة الدواء، كما تمّت دولرة الانتساب إلى شركات التأمين للاستشفاء وما حُكِي عن دعم تصنيع الدواء لبنانيّا كان إبرة ماء، وخارج العِرق أيضا الأمر الذي أوصل المريض اللبنانيّ إلى الانتظار الطويل في أروقة المستوصفات الخيريّة، لعلّه يحظى ببعض من لائحة أدويته الطويلة.

وبموازاة جحيم الدواء اللبنانيّ، أُعِدَّت حملة إعلاميّة مؤذية على الإتيان بالدواء من الخارج لا شكّ في أنّ بعض الدول تفتقر إلى الثقة بسلامة أدويتها، وهي معروفة عند المتخصّصين في الطبّ وعند المرضى في الوقت نفسه. لكنّ المؤذي في هذه الحملة أنّها ترمي إلى تضييق دائرة الاستيراد الدوائيّ، في غياب البديل المحلّيّ، على مستوى الكلفة لا على مستوى الجودة.

إنّ اللبنانيّين، ومنذ بضع سنوات، مع بداية الأزمة الاقتصاديّة، لجأوا إلى الاستعانة بصيدليّات الدول القريبة والبعيدة. وعلى سبيل المثال، إنّ الدواء التركيّ أتى خير حلّ، لأنّ سعره أقلّ من نصف سعر الدواء عندنا وعلى امتداد أربع سنوات، لم يعلن أحد رسميّا أنّ هذا الدواء لا يستوفي الشروط الموجبة إنّما العكس تماما، كانت تركيّا الملجأ الأقرب في غياب شبه تامّ للدواء في الصيدليّات والمستشفيات اللبنانيّة. إذًا، لماذا استهداف الدواء المستورَد، طالما أنّ الدواء اللبنانيّ صار مرَضًا لنا بالمعنى الماليّ؟

ليس أمامنا إلّا خياران: فإمّا أن يُدعَم الدواء اللبنانيّ، ويُضبَط توزيعه، ويُمنَع احتكاره، وإمّا أن ينَظَّم استيراده، بهدف إبعاد الموت، قدر الإمكان، عن مريض معلَّقَة حياتُه بحبّة دواء للضغط أو لشرايين القلب.

للأسف الشديد، ليست قضيّة الدواء والطبابة والاستشفاء بمعزل عن غيرها من القضايا القاتلة عندنا، فالسلطة الفاسدة، وبغطاء تامّ من زعماء الأحزاب، تترك مؤسّساتها للموت المؤكَّد، فلا مستشفيات، ولا دواء، ولا مدارس رسميّة، ولا جامعة لبنانيّة، ولا ضمان صحّيّا... ويتفرّغ أصحاب الحلّ والربط لاستثمار ما بقي في كعب الفنجان اللبنانيّ ونهبِه، وللتسويات والمحاصصات في ما سيأتي من استحقاقات كما في ما مضى.

إرسال تعليق

أحدث أقدم
يرجى الدردشة مع فريقناسوف يرد المسؤول في غضون بضع دقائق
مرحبًا ، هل هناك أي شيء يمكننا مساعدتك به؟ ...
ابدأ الدردشة ...