بائعو الصحف صامدون بوجه الأزمات... إصرار على ما تبقّى من الحياة


 جاء في "القدس العربي":

لم تعد الحياة في شارع الحمراء أحد الشوارع الرئيسية في بيروت، كما كانت منذ سنوات، كل معالمه تغيرت، وتوقف نبض الحياة التي كان ينعم فيها الشارع لسنوات، وما كان بالأمس لم يعد موجودا اليوم.

كان شارع الحمراء في بيروت، خلال سنوات مضت، بحركة لا تهدأ، والمقاهي تتوزع على جانبيه تزدحم بروادها، يجلس فيها رجال الأعمال والطلاب والمثقفون والكتاب والصحافيون، يتناولون فنجان القهوة، ويتصفحون ويقرأون الصحف والمجلات.وبائعون متجولون كانوا يحملون منذ الصباح، رزمات من الصحف والمجلات عند تقاطع الطرق الفرعية لشارع الحمراء، قرب مسرح البيكادللي، وسارولا وستراند، وتقاطع شارع السادات، يقفون وسط الطريق، يبيعون الصحف للمحلات ومكاتب المؤسسات والسيارات وللمارة، «النهار، السفير، الأنوار، اللواء، والبيرق، وغيرها وغيرها الكثير» .

على أكشاك بيع الصحف على طول شارع الحمراء، وقرب مقهى «كافيه دو باري» ومقهى «ويمبي» يقف المارة يدققون في عناوين الصحف، كانت الجريدة عنوان المثقفين في بيروت، يضعها تحت إبطه يبحث عن مقعد في مقهى أو ينتظر دخوله مكتبة أو العودة إلى البيت لقراءتها من الصفحة الأولى حتى زواياها الأخيرة.كانت مهنة بيع الصحف ناشطة، ومربحة وممتعة كما يقول من عاصر تلك الأيام، أما اليوم فحالة الاكتئاب التي أصابت البلد، وصلت ليس إلى الجريدة التي توقفت أو تراجعت نسبة بيعها، فحسب، بل وصلت إلى البائع المتجول، فلم يعد له المكان البارز في حياة المجتمع، ولم تعد تكفيه الليرات التي يجنيها من بيع الصحف حتى لشراء وجبة طعام لأسرته.

ولا تختلف مهنة توزيع الصحف الورقية في لبنان، اليوم عن حال البلد الذي يتعرض لانهيار غير مسبوق في تاريخه الثقافي والاقتصادي والسياسي، فقد تعرضت مهنة توزيع الصحف إلى تراجع غير مسبوق في تاريخ لبنان المعاصر.ففي شوارع بيروت، تحت جسر الكولا، وشارع البربير وشارع عفيف الطيبي، وكورنيش المزرعة، وشارع الحمراء والروشة، وعين المريسة، وساحة ساسين في الأشرفية وعند تقاطع السوديكو وبشارة الخوري، غاب بائعو الصحف، وخفت صوتهم. وعبق الصحف والمجلات والكتب التي امتزجت لسنوات بأرصفة شارع الحمراء العريق قد تناثر مع الريح. غاب بائعو الصحف بين السيارات وعند تقاطع الطرقات، وأقفلت مكتبات و«أكشاك» وتحول بعضها إلى محلات تجارية لبيع الأحذية والملابس والسندويتشات، وألعاب الأطفال، ولم يعد من رواد المقاهي محمود درويش وأدونيس وطلال سلمان وشوقي بزيع ومحمد علي شمس الدين، وأهل الفن ماجد أفيوني وعلي ذياب وحسام الصباح، يمسكون أطراف صفحات الجريدة ويبحثون عن الأخبار. 

تراجعت حركة البيع وتوقف إصدار عدد من الصحف، ورحل الكتاب والصحافيون الذين اشتهرت الصحف اللبنانية بكتاباتهم وذاع إسمهم فيها.يجلس الناشط الإعلامي باسم الحسيني على كرسي قديم أمام مقهى صغير لبيع القهوة والشاي قرب مبنى صحيفة «النهار» ووزارة الإعلام، قال وملامح وجهه تعبر عن الألم والأسف الذي وصلت إليه الصحف اللبنانية بعد سنوات العز، «من يعرف بيروت في سنوات سابقة سيكون حزينا اليوم، ومن يتجول فيها بعد غياب سنوات، يشعر بفارق كبير» مضيفا، «غاب بائعو الصحف، غابت شمس المدينة. بيروت اليوم بدون صحف معتمة وحزينة، كانت الصحف تشرق كل صباح كما تشرق الشمس، يحملها الباعة يوزعونها إلى المشتركين يبيعونها للمارة يتنقلون بين السيارات والمحلات والأماكن العامة وفي تقاطع الطرقات».

وأضاف الحسيني لـ«القدس العربي» نحن نعلم حجم المأساة التي نعيشها في لبنان ولكن أسطع صورة لهذه المأساة هي غياب بائعي الصحف عند مفارق الطرقات الذين كانوا معلما حضاريا من معالم بيروت وتحديدا شارع الحمراء.

واستعرض أسباب هذا التراجع قائلا: لا شك أن لتراجع الصحف وغياب الباعة من الطرقات أسباب مختلفة أبرزها أن الجميع اليوم يذهب لقراءة الصحف من خلال مواقعها الإلكترونية، هذا إلى جانب أن الصحف اللبنانية لم يعد لها العز الذي كان لها قبل سنوات، لم تعد تجذب القارئ، وجاء الانهيار المالي والمعيشي في لبنان ليجبر المواطن على البحث عن لقمة عيش وخبز ودواء لعائلته، فثمن الجريدة أصبح يساوي ثمن ربطة خبز.

أسباب كثيرة أبعدت المواطن عن قراءة الصحف الورقية، ومنها أن الصحف اللبنانية كما يرى البعض لم تعد بالمستوى الذي كانت عليه في سنوات سابقة لا لناحية المضمون ولا لناحية الكتاب والصحافيين.

هذا ما يؤكده البائع المتجول في شارع الحمراء نعيم صالح، الذي ما زال ومنذ سنوات طويلة يغطي الرصيف بالصحف والمجلات وما تيسر له من كتب قديمة، وأشار إلى أنه يبيع الصحف في نفس المكان ورغم الحروب والقصف والاشتباكات، واصل عمله كبائع متجول، بجانب مقهى «كافيه دو باري». ويقارن صالح عمله بين اليوم والأمس، ويقول، «تغيرت حياتنا كما تغيرت بيروت التي أصبحت حزينة».

وردا على سؤال لـ«القدس العربي» أجاب «بدأت عملي كبائع متجول منذ صغري، كنت ولدا صغيرا أوزع الصحف اليومية (السفير، النهار، اللواء، الأنوار) إلى المنازل ومكاتب الشركات والمصارف والمؤسسات العامة والخاصة، عند الصباح ترى معظم من تلتقي بهم يحملون صحيفة أو صحيفتين، اليوم قليلة هي الصحف الورقية التي تباع في مكتبات بيروت، ومعظم الذي يهتمون بقراءة الصحف، يقرأون الأخبار من خلال المواقع الإلكترونية، أبيع الصحف طوال النهار، وعند المساء أجد في جيبي مبلغا لا يكفي لأولادي وجبة طعام».

ويتابع صالح بحزن ليس من السهل وصفه عندما قال، بيروت حزينة، غابت معالمها، ولم يبق فيها إلا بقايا الماضي، هنا كانت صحيفة السفير وهناك كانت الكفاح العربي، والبيرق، والأنوار، غابت جميعها، ولم يبق منها إلا الذكريات، ذكريات محتوياتها وكتابها وصحافييها وقرائها وبائعيها.

رجل سبعيني يجلس في مقهى روسا في شارع الحمراء، يتصفح الجريدة، ويدقق بمحتوياتها، أمامه فنجان قهوة، كأنه من بقايا العقود الماضية، قال: لا تزعجني عبارة أني من بقايا العقود الماضية، اشتري ثلاث صحف يومية وأجلس هنا قبل التوجه إلى عملي لتناول فنجان القهوة وقراءة الصحف، تعودت على ذلك منذ ما قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 عندما كنا نلتقي بالشعراء محمود درويش، ومحمد علي شمس الدين، وشوقي بزيع، وعباس بيضون وغسان مطر وغيرهم من الكتاب والصحافيين اللبنانيين والعرب، رحل الكثير منهم وما زلت هنا أقرأ الصحف.

وعند أول شارع الحمراء أيضا مقابل سينما سارولا، يعمل رجل أربعيني على ترتيب «الكشك» الذي رفعت على جوانبه ما تبقى من الصحف التي تصدر في بيروت، يقول، مهنة بيع الصحف تعرضت لانهيار كما البلد، وتابع: «أنهض باكرا وأغادر المنزل حوالي الخامسة فجرا لاستلام الصحف من شركات التوزيع، أبيع يوميا بين 23 إلى 30 صحيفة وأعتقد أن من يشتري الجريدة اليومية هم أنفسهم كل يوم.

نبيع الصحف لزبائن حفظنا وجوههم وأصبحنا نعرفهم بل وأصبحوا أصدقاء لنا، وقلة هم زبائن الصدفة. ونبيع أيضا أوراق اليانصيب، نقف طوال النهار حتى ساعات الليل، لا نبيع سوى عدد قليل من الصحف، لم يعد عدد القراء الذين يشترون الصحف كما كان في سنوات مضت، لقد تراجع بشكل مذهل، لكني مضطر للبقاء هنا أبيع الصحف، عملت في هذه المهنة منذ كنت صغيرا مع والدي، ولا أعرف مهنة غيرها».

تجولت «القدس العربي» في شارع الحمراء، استمعت لآراء المارة وبائعي الصحف، والجالسين في المقاهي، الجميع يردد الأسباب نفسها التي أدت إلى تراجع نسبة بيع الصحف في البلاد، التطورات التقنية وقراءة الصحف عبر الإنترنت، وتراجع الاهتمام الثقافي في الأوساط الشعبية، وغياب الرواد والانهيار المعيشي وارتفاع أسعار الصحف.

إرسال تعليق

أحدث أقدم
يرجى الدردشة مع فريقناسوف يرد المسؤول في غضون بضع دقائق
مرحبًا ، هل هناك أي شيء يمكننا مساعدتك به؟ ...
ابدأ الدردشة ...